الصفحة الرئيسية

المعارضة السورية الشريفة

صورة سيارة حرقها المتظاهرون في بانياس ثم اتهموا الجيش (الشبيحة) بها

بعد عهود من الحزب الواحد وعقود من الفساد الذي لا يقف في وجهه أحد، صار لدينا معارضة في سورية. واستبشرنا خيراً وسُررنا كثيراً، فالآن بدأ عهد جديد...

لكن...

 
لكل شخص وجهة طريقة في العمل، لكننا كنا نتوقع من المعارضة في سورية أن تكون معارضة لصالح الناس وليس ضدهم. توقعنا أن المعارضة ستهتم بمحاربة الفساد وليس زيادته، أن المعارضة ستحارب الخلل في الأخلاقيات بالشرف وليس بانعدام الشرف.
 
ولا يتهمني أحد أني من أتباع أو أنصار جهة ما، فأنا من أنصار كلمة الحق التي نعرفها كلنا ونختار أن نسكت عنها.
 
 
كل معارضة في العالم لها هدف وأجندة عمل، وهي من قبيل مكافحة الفساد أو حماية البلد أو تحسين الاقتصاد أو الشفافية (عمل المؤسسات بشكل علني وواضح) أو حتى تغيير النظام. وما المانع؟ إن أعجبتك الشعارات فانضم إليها، وإلا فلا.
 
لكن المشكلة في المعارضة السورية هي أنها قد تركت كل مشاكل البلد وقررت أن هدفها إسقاط النظام والسيطرة على الحكومة، وأنها تريد تحقيق هذا الهدف مهما كان الثمن.
 
نشاهد كل يوم على شاشات التلفاز مقاطع فيديو بالعشرات غير معروفة الهوية والمكان والزمان، يلاحقها الإعلام الغربي وتعيد بعضها التلفزيونات السورية لتكتشف أن فيها كذباً وتزويراً كثيرين وأنها تمثيل بتمثيل. وتقرأ كل يوم أعداد القتلى لتعرف لاحقاً أن هناك اثنان قتلا بدل ثلاثين، أو أن قتلى الجيش أضيفت إلى المتظاهرين، أو أن من توفي بالجلطة القلبية أو السكتة الدماغية صار من شهداء المعارضة.
يظهر كل يوم على جميع الشاشات مجموعة من "الممثلين السوريين" تحت مسمى معارضة، يقومون بمهاجمة النظام ويدعون الجيش للثورة... وعندما لا يثور الجيش يسبونه ويطلبون ثورة العشائر... وعندما لا تخرج العشائر يتهمونها بالتعامل مع النظام ويطلبون ثورة النساء... وهكذا دواليك...
 
وفي كل يوم نسمعهم يقولون أن الملايين نزلوا وأن المظاهرات "تجتاح" المدن وأن المتظاهرين اكتسحوا الساحات... لنخرج فلا نجد أحداً... فمن غير المعقول أن يتم إفراغ ساحة من الملايين خلال خمس دقائق. فكل عشرة آلاف يحتاجون إلى ربع ساعة لتستطيع التحرك وإيجاد مواصلات.
 
هذه السياسة الغبية في التضخيم والكذب أدّت إلى أن الناس لم تعد تصدق ما يقال، وأن مقتل عشرة أشخاص لا يعتبر أمراً يهم أحداً. فقد أدى جشع هؤلاء إلى تبلد شعور الناس.
أنا أعتقد أن مقتل شخص واحد على أرض الواقع كافي لإثارة قلقي، ولا داعي لتضخيم العدد إلى عشرين كذباً. وأعتقد أن مظاهرة من مئة شخص في مدينة أو مدينتين أمر هام يستدعي بحثه، ولا داعي لوصفها بعشرات الآلاف في مئات المدن.
إن آلاف العسكريين الذين قتلوا على الأرض السورية قد وصفهم هؤلاء إما بالخونة أو بأنهم قتلوا بعضهم بعضاً، وكلنا نعرف الحقيقة أن كثيراً ممن يحملون لواء المعارضة في سورية يحملون السلاح وأن أقاربهم يعرفونهم ويخبئونهم. وهذه حقيقة معروفة ولا داعي للكذب حولها فقط لأنهم البعض قلقون من تدفق أموال الغرب على جيوبهم. يمكن التبرير وإلقاء اللوم على عدم الانضباط، لكن لا داعي للكذب بصفاقة... أظن أن السوريين شبعوا من هذا...
 
لقد مرت الكذبة في أولى الأسابيع على الكثيرين، لكن لا يوجد سوري على الأرض السورية سواء وقف مع المعارضة أو ضدها إلا ويعرف أن من يتحدث باسم المعارضة ينافس في الكذب الإعلام الرسمي، بل إني أقول بثقة أنهم قد تجاوزوا الإعلام الرسمي بأشواط في التأليف وتخبئة الحقائق. لدرجة أننا نسينا سيئات الإعلام الرسمي، فمن كان يتصور مثلاً في بداية السنة إن قلنا: "سوف تبحثون على قناة التلفزيون السوري عن الأخبار لأنها أكثر صدقاً من غيرها". تصوروا كم كانت هذه العبارة ستثير الضحك، أما الآن فهي تمثل الحقيقة.
يا أخي، تظاهروا واعترضوا على ما نحتاج. أنا ضد الفساد في دوائر الدولة، أنا ضد المناقصات الملفقة، أنا ضد انتهاكات الشرطة والأمن وعدم انضباطهم، أنا ضد سائقي سيارات الأجرة عندما يسرقون المواطن، أنا ضد الرشوة والإكرامية وحبة المسك. أنا ضد ارتفاع أسعار البيوت لأن العراقيين يفضلون سورية على العراق، أنا ضد غلاء الأسعار وانخفاض الأجور. أنا ضد كثير من الأشياء...
 
إن كان لدى "النظام" رغبة وإمكانية لحل هذه المشاكل فأنا مستعد لآن أضغط عليه وأطالبه... بل وأجبره بتنفيذ مطالبي. لكن لا يتوقع أحد مني أنني سأقف مثل الغنمة ليسوقني هذا أو ذاك، وفي النهاية نكتشف أنهم مجموعة من الانتهازيين واللصوص لا يهمهم إلا مصلحتهم الشخصية، ولا يتكلمون إلا بلسان السياسيين الأمريكيين ويستخدمون مصطلحاتهم ذاتها: "حقوق الإنسان" و "الديمقراطية" و "دافعي الضرائب" و "المجتمع المدني" و "العقوبات والحماية الدولية".
 
أنا مع أي معارضة سورية شريفة تهدف إلى إصلاح البلد وليس إلى تدميره، تهدف إلى بناء مجتمع موحد ونظيف وليس إلى توسيخه وتقسيمه، تهدف إلى حماية البلد من الخطر الخارجي وليس إلى زيادته وتوسيعه. أنا مع سورية التي فيها حكومة ومعارضة، حكومة تبني ومعارضة تقوّم، وأنا ضد أي خطة أو مشروع آخر.
 
في الأخير الشرف هو أهم ما يملكه الإنسان، ومتى فقده فمن المستحيل أن يستعيده. وليس هدفي أن أقلل من شأن الناس الذين خرجوا في الشوارع وأنا أعلم حسن نية الكثير منهم، ولا هدفي أن أمدح الحكومة وأنا عالم بجهلها وسوء تدبيرها. لكن هدفي أن أوضّح لكم أن الإنسان القذر لن يصل بنا إلى مكان نظيف.
 
(الصورة مأخوذة من سي إن إن وهي صورة سيارة حرقها المتظاهرون في بانياس ثم اتهموا الجيش (الشبيحة) بها- أحد طرق تحريف الحقائق التي سببت خسارة الثقة تجاه المعارضة)

Add comment

CAPTCHA
أدخل الأرقام الثلاثة المكتوبة أدناه
Image CAPTCHA
Enter the characters shown in the image.